سوريا في خرائط التفكيك: من سردية التهديد الإسرائيلي إلى سيناريو الكانتونات في المشرق
بقلم: د. هشام الأعور

في العمق، لا يمكن قراءة الخطاب الذي قدّمه بنيامين نتنياهو، ولا الخرائط التي يلوّح بها، بوصفها مجرد توصيف للتهديدات، بل باعتبارها تمهيداً ذهنياً لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المشرق. فحين تُدرج دول كسوريا ولبنان ضمن بيئة تهديد مفتوحة، فإن ذلك لا يعبّر فقط عن قلق أمني، بل يوحي أيضاً بإمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى إعادة إنتاج الكيانات نفسها.
في هذا السياق، يتقدّم سيناريو التفكيك بوصفه أحد الاحتمالات المتداولة، لا سيما في ظل تقاطع الأزمات البنيوية التي تعانيها كل من سوريا ولبنان. فالدول التي تُستنزف داخلياً وتفقد قدرتها على إنتاج سلطة مركزية متماسكة، تصبح أكثر عرضة لإعادة الرسم وفق خطوط الانقسام الطائفي أو الإثني، وهي الصيغة التي لطالما شكّلت، في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، مدخلاً لإضعاف المحيط وتفكيك مصادر القوة فيه.
ضمن هذا الإطار، يبرز الحديث عن مشاريع “كانتونات” تمتد عبر الحدود، وفي مقدمتها الطرح المتداول حول كيان درزي محتمل يتشكّل على تماس جغرافي بين لبنان وسوريا، يمتد – وفق هذه التصورات – من الساحل اللبناني مروراً بالمناطق الجبلية وصولاً إلى جبل الشيخ والسويداء. ورغم أن هذه الطروحات لا تزال في إطار التحليل أو التداول غير الرسمي، فإن دلالاتها السياسية عميقة، إذ تعكس تصوراً يقوم على تفكيك الدول المركزية واستبدالها بوحدات صغرى قائمة على الهويات الفرعية.
ولا ينفصل هذا الطرح عن مقاربة أوسع ترى في إعادة تشكيل الجغرافيا وسيلة لتحقيق “أمن مستدام” لإسرائيل، عبر إحاطة نفسها بكيانات ضعيفة، متنازعة، وغير قادرة على تشكيل تهديد استراتيجي متكامل. فبدلاً من مواجهة دول مركزية تمتلك عمقاً ديموغرافياً وجغرافياً، يصبح التعامل مع كانتونات متفرقة أكثر سهولة، سواء عبر الاحتواء أو الاختراق، أو حتى إعادة التوظيف ضمن توازنات تخدم المصالح الإسرائيلية.
غير أنّ هذا المسار، إن صحّ، لا يعبّر فقط عن مشروع خارجي، بل يتقاطع أيضاً مع قابلية داخلية ناتجة عن أزمات الهوية والسلطة في كل من سوريا ولبنان. فالتفكك، في نهاية المطاف، لا يُفرض من الخارج فقط، بل يجد بيئته الحاضنة في هشاشة الداخل، وفي عجز النخب السياسية عن إنتاج صيغ وطنية جامعة قادرة على تجاوز الانقسامات.
من هنا، فإن الخطر لا يكمن حصراً في الخرائط التي تُعرض أو في المشاريع التي تُتداول، بل في تحوّل هذه الأفكار إلى مسارات واقعية، في ظل تآكل الدولة الوطنية. وعليه، فإن أي حديث عن تقسيم أو كانتونات، سواء في سوريا أو لبنان، لا ينبغي التعامل معه بوصفه سيناريو بعيداً، بل كاحتمال يتقدّم كلما تراجعت قدرة الدولة على تثبيت وحدتها، وكلما ازداد الانقسام الداخلي عمقاً واتساعاً.



